صحيفة الوحدة ورؤيتها للصحافة

 

لا شك أن مصلحة الصحف الفلسطينية كانت دومًا تسويق ذاتها، لنجاح مشروعها وزيادة إيراداتها وتعزيز حضورها. وقد كان ذلك يتم دومًا من خلال الاعلانات، أو من خلال الكتابة في مواضيع مثيرة ليزيد اقبال الجمهور عليها. لكن جريدة الوحدة  - الصادرة في القدس لمحررها اسحاق عبد السلام الحسيني - من الصحف القليلة التي اتخذت طريقًا مختلفًا وهو طريق التوعية الشاق: التوعية بالصحافة، أهميتها، بدايتها، ومحاولة اعطاء الجمهور فكرة جيّدة عن النشاط الصحفي الفلسطيني خلال العقود الأربعة الأخيرة.


 

جريدة الوحدة، 23 شباط 1946​

 

قامت جريدة الوحدة باثارة النقاش حول الصحف المحليّة، ومحاولة القاء الضوء على نشاطات الصحف وكم الجهد الذي بذلته كل صحيفة. الوحدة تذكر وبشكل واضح لهذا الاهتمام، فهي ترى بالصحافة سلطة، فالأمن والاستقرار والسلم والحرب وكل ذلك متوقف على الرأي العام والرأي العام يتخذ مواقفه من الصحافة التي تساهم في تشكيله، فهي بمنزلة الاستاذ الأكبر للشعب، والذي يستمع لكلامها وعليه فعلى الصحافة كما الأستاذ أن تسهل المعرفة للناس، وأن تنقلها اليهم حيثما كانوا.

 

 

جريدة الوحدة، 23 شباط 1946

 

من هنا تأتي أهميّة هذه التغطية أو المسح الشامل للصحف، كمحاولة لاطّلاع الجمهور على واقع الصحف، تعزيزها، وتعزيز حضورها بين الناس، اضافة لخلق اجماع بين الناس، ان رؤية قراءة لكيفية تعريف صحيفة الوحدة بجريدتي فلسطين والدفاع مثلًا يظهر بعض هذه الرسائل حين يتم تصوير رياديتهما، نضالهما في نقل الحقيقة، وخلق روح الاعتزاز لدى القراءة مثلًا حين يتم الحديث عن جريدة فلسطين كأوّل جريدة فلسطينيّة يوميًّا والتي تقرأ أيضاً خارج البلاد حيث تصل أعدادها بالطائرة إلى بيروت وبلاد أخرى وفي مواضع أخرى يقول "لا يستولي عليك الذهول عندما أقول لك بأننا سنشتري بعد وقت قريب طائرة خاصة بجريدة فلسطين".

 

 

جريدة الوحدة، 23 شباط 1946

 

لم تستكف الوحدة بذلك فقط بل ناقشت ضرورات صحفيّة ارتأت أن المجتمع الفلسطيني في البلاد يحتاجها، وبالتالي فان صحيفة الوحدة بذلك، تعمل على تعزيز الماضي وأيضًا على المستقبل، من قبل الحث وفتح النقاش على اصدار جريدة باللغة الانجليزيّة.



جريدة الوحدة، 23 شباط 1946

 

 استكتبت كتابًا للحديث حول تاريخ الصحافة الفلسطينية، كان من بينهم الأديب والمؤرخ الفلسطيني عارف العارف  والذي لمع نجمه بين الفلسطينيين كأحد الوجوه الثقافيّة البارزة، حيث تحدّث في مقاله عن الصحافة العربية ونشاطاتها ودورها كما قدم توصيته لمن يريد الاشتغال بهذه المهنة متنبّهًا لواقع الصحافيّين وارتهان النقد الموضوع لرأسمال حيث يضطر الصحفي لغض البصر عن جهات بعينها ان كانت تمول الصحيفة أو تدعمها.

 


        جريدة الوحدة، 23 شباط 1946

 

تجلّت أيضًا محاولات نشر الوعي الصحفي من خلال مقالات تحاول اعطاء تعريف دقيق لمعنى الصحافة، ان مقالة "كيف تصبح صحافيًّا ناجحًا" لا تهمنا فقط على مستوى أهميّتها في التوعية بقدر ما تعطينا تفاصيل دقيقة عن فلسفة الفلسطينيين لمفهوم الصحافة، في تشديدها على البساطة في توصيل الفكرة، والأسلوب السلس الطريف، والأهم هو في المسؤوليّة الاجتماعيّة التي يجب على الصحفي أن يتحلى بها، والاختصار قدر المستطاع.

 

 

جريدة الوحدة، 23 شباط 1946

 

ان جريدة الوحدة في عددها هذا من عام 1946، تعكس مستوى جيّد من النهضة الصحافيّة التي وصلها الفلسطينيّون، من خلال تقديمها مسحًا للصحف الفلسطينيّة ومضاي بعضها، دراسات لإشكاليّات الحاضر، توعية للصحافيين وتوجيهات كيف يكونوا صحفيين ناجحين، دعوة لسد النقص في بعض الجوانب كاللغة الانجليزيّة، ثم وبأسلوب جميل دعوة القراء أنفسهم للمشاركة في استطلاع رأي حاولت الصحيفة من خلاله فهم أنماط القراءة والاهتمام لدى قراءها، وهو ما يعكس مسؤولية صحفية حقيقية.


جريدة الوحدة، 23 شباط 1946

 

لا شكّ أنّ جريدة الوحدة ليست عمليًّا دلالة على نهضة فرديّة بقدر ما هي انعكاس لتفاعل مجتمعيّ مع الصحافة واهتمام ملحوظ شارك فيها الكثيرون، وبالتالي فإنّ تطوّرها هو تطوّر وعي كامل بأهميّة الصحافة بدأ مع بدايات القرن العشرين ووصل إلى ذروته في الأربعينيّات. في صفحتيها السادسة والسابعة تدرج الوحدة قائمة بأسماء عشرات الجرائد والمجلاّت الفلسطينيّة منذ صدورها حتى لحظة صدور جريدة الوحدة، مراجعة عناوين الصحف هذه وأعدادها وأماكن صدورها يدل على انتشار الصحف على امتداد البلاد وعلى مشاركة جمعيّة هائلة وتنوع في الموضوعات والقضايا.

 

​​ 

جريدة الوحدة، 23 شباط 1946

 

قد يكون البحث التاريخي مهمًّا في الصحافة الفلسطينيّة، لكن هذا العدد من جريدة الوحدة يحمل أهميّة، خاصّة أنّه يوفّر معلومات أوليّة غاية في الأهمية، ويوفر لنا نظرة عميقة، إنّها دراسة تاريخ الصحاف​​ة من خلال الصحافة وهي مهمّة ستحتاج الكثير من الباحثين لدراسة الصحف وما حملته من معلومات لقراءة جديدة في التاريخ.