​​​​لعل أول ما يتبادر لذهن المطالع للصحف الفلسطينية في اربعينات القرن المنصرم قاصدا تحري تفاعلاتها وتغطيتها لشهر رمضان المبارك في فلسطين والوطن العربي هو ابتعاد كثير من المقالات عن الطرح التقليدي المعتاد عند تناول هذه المناسبة الدينية وشعائرها من صوم وصلاة، فيغدو رمضان مرآة تعكس واقع مجتمع فلسطيني متنوع فكريا وثقافيا. فحتى تلك المقالات التي تنبئ عناوينها بكثير من الاعتيادية مثل افتتاحية الشيخ عبد الحميد السائح للعدد الخامس والعشرين من مجلة المنتدى الثقافية والمعنونة ب "رمضان والتوجيه الصحيح" ، لا تخلو من بعض المناورة الفكرية كربطه مفهومي الزكاة والصيام بكل من الامبريالية والاشتراكية قائلا " فعندنا اشتراكية معقولة ولدينا فكرة معتدلة في التمول".1 

 

وفي جوار افتتاحية الشيخ نجد مقال تهنئة من سكرتير التحرير اسحق عبد القادر رشيد لعموم المسلمين بحلول الشهر المبارك واصفا اياه "بشهر الطاعات والقربان، شهر البهجة والمرح"، مشددا على قدسية الشهر وعباداته ولياليه من جهة وكونه فرصة لاجتماع الأهل والاصحاب حول موائد الطعام وجلسات الطرب والسمر أو "الأنس البريء" من جهة أخرى، عدا عن كونه مظهرا لوحدة الأمة الاسلامية من حيث الشعائر والأنس على حد سواء.2    

ولم يتوقف الكتاب عند هذا، بل ربطوا الصيام الصحيح بمفهوم الخدمة المجتمعية والتعاضد الاجتماعي والانصهار الطبقي كما أشار محمد عبد السلام البرغوثي الذي جزم بتجرد الصيام من معانيه إن لم يتفان الصائم في طاعة الله وخدمة امته، وإن لم يؤد الصيام إلى تكوين طبقة مؤمنة متماسكة لا يحتقر غنيها فقيرها ولا ينفس فقرائها أغنيائها.3 كذلك حث الشيخ عبد الله غوشة في ختام مقالة طويلة عن العبادات وحقوق العباد المسلمين على السعي لإنشاء المشاريع العامة مؤكدا على كونها صدقة جارية "تبقى ما بقيت الأمة" على حد قوله.4    

كما تعددت المقالات التي حاول كتابها طرح مفاهيم جديدة أو تفسيرات بديلة لفريضة الصوم مثل الكاتب عبد الحميد ياسين الذي دعا الصائمين إلى اعتناق مفهوم جديد للصوم لا يلتصق بالخمول والكسل حاثا اياهم على عدم الاكثار من الكلام المقول أو المسطور وأن ينكبوا على اعمال العقول بالفكر متمنيا عليهم أن يستمر صيامهم عن الكلام واقبالهم على الفكر طوال العام!5  وفي سياق مشابه يحاول الكاتب خيري حماد تبيان الحكمة من عبادة الصيام في رمضان وما يتلوها من احتفال بالعيد في رسالة موجهة إلى صديقه حسن يتذكر فيها جلسة جمعتهما بثلاث أصدقاء آخرين تناولوا فيها الموضوع الآنف، وقد اجزل الكاتب في تفصيل مدى تنوع المجموعة من حيث الجنسيات والخلفيات التعليمية والتوجهات الفكرية، فيذكر أن فيها العراقي والسوري والبيروتي والفلسطيني ويصف أحد الأصدقاء بالمتزمت كثير الخطابة يقابله آخر لاه مقبل على الحياة غير مكترث بالعواقب  في حين التزم الثلاثة الباقون مذهبا وسطا، علما بأن الكاتب نوه في بداية مقاله إلى أن النقاشات الدائرة في حلقة الصداقة كانت غالبا تبدأ كما تنتهي وكل متقوقع في فكره لا يتزحزح عنه إلا نادرا حينما يفحمه احد الأصدقاء ولا يترك امامه بدا من اعتناق مبدئه.6 

 

ولربما كانت قصيدة الشاعر محمد حسن علاء الدين، الذي جاور اسمه تنويه بأنه "نباتي" لا يأكل اللحوم، أكثر ما خرج عن المألوف في محتواه حيث يعتذر فيها الشاعر من الله لعدم صيامه الصوم المفروض فهو على حد قوله صوّام منذ اعوام عن مظلمة اكل اللحوم وصيد الحيوانات وبذلك صام ضمير قلبه!7  

 

هذا ويمكننا القول بأن مقالات وتغطية الصحف لشهر رمضان الفضيل معظمها انشائية وأدبية بحتة يتخللها بعض الاشتباك الفكري مع التيارات المخالفة وكثير من المحاولات لموافقة عبادة الصيام مع ايديولوجيات واتجاهات فكرية مختلفة مثل الاشتراكية والنهضة الفكرية وحتى الإسلام السياسي؛ فلا نجد تفاعلا مع واقع الصائمين وحياتهم اليومية سوى في بعض الصور المتناثرة على صفحات الصحف والمجلات تظهر اعداد حلوى القطايف وضرب المدفع وتحري الهلال.