​​

 الكاريكاتير الفلسطيني في ثورة ال36

كما ظهر في جريدة فلسطين

 

للكاريكاتير جذور عميقة في الصحافة الفلسطينية فهو يعود لعشرينيات القرن الماضي، وإن كان في كثير من الأحيان قد شكل مادة بصرية للتسلية أو لتسويق الاعلانات وجذب القراء، فقد احتل في ثورة ال36 موقعاً بارزاً ليتحول من أداة لأداة سياسية  مؤثرة، رائدة في تصوير الأفكار والاحتجاجات ولها قدرة هائلة على النقد الداخلي والخارجي وابداء الموقف والاتجاهات السياسية التي حاول الفلسطينيون ايصالها عبره.

 كانت جريدة فلسطين من أوائل الصحف التي وظفته لذلك حيث أفردت له مساحة جيدة على صفحتها الأولى خلال الفترة الأولى من الثورة، توفر لنا هذه الكاريكاتيرات امكانية فهم بعض جوانب  الرؤية السياسية للفلسطينيين ومواقفهم في العديد من القضايا سواء لأنفسهم، للصهيونية أو لبريطانيا.

رسائل مُضمرة:

ان نظرة سريعة للكاريكاتير المنشور بتاريخ 17 حزيران 1936 تعطينا جانباً من رسالته، حيث يظهر اللورد بلفور في وسط المشروعات الصهيونية التي عرفتها البلاد في تلك الفترة، وكافة المشروعة مرتبطة بخيوط يحركها، بما معناه أن أصل كل المشروعات ومحركها هو بلفور في وعده وبريطانيا بطبيعة الحال هي المتهمة في ذلك.

ولكن نظرة عميقة تعطي فكرة عن رسائل أخرى وجوانب فنية اضافية، فالكاريكاتير يصور الشخوص الفاعلين بنظرة ثقافية تقليدية، فيظهر اللورد بلفور بزيه التقليدي كما يظهر اليهود بزي غربي فيما يظهر العرب بزي تقليدي مع الطربوش، دون أن يغفل الكاريكاتير من طرح نقد واضح على القيادة العربية، ففي حين الانجليز واليهود منشغلون بتعمير البلاد، ينشغل العرب بالخلافات الداخلية – كما يظهر في يمين الصورة – كل هذا مع خسارة هائلة يتشرد خلالها الفلاحون الذين يظهرون في يمين الصورة بمظهر المشردين الخارجين من ديارهم يحملون حاجياتهم على رأسهم وفوق جميل في طريقه إلى البعيد.


في كاريكاتير آخر والذي جاء بعده بأسبوع يظهر شيء ملفت للنظر، وهو تصوير لكيفية استقبال القدس لقائد الجيوش البريطانية اللنبي عام 1917، حيث جاء البلاد مشياً بلا سيف أو سلح ومستقبلا أشراف مدينة القدس، في حين جاء وصول واكهوب المندوب وصول عسكري مقاتل دون أن يخرج أحد لاستقباله، المثير للاهتمام هو كيفية تصوير الفلسطينيين للنبي وحفاوتهم به، ولكن نظرة إلى وجه العربي الذي يستقبله توحي بأن ثمة سخرية ما، قد يكون في شدة الحفاوة نقد ما على تلك البساطة والعفوية في استقبال اللنبي فهل أراد صاحب الكاريكاتير أن يقول كم كنا بسطاء؟



لقد صبت الصحافة الفلسطينية جام غضبها على بريطانيا التي بالنسبة لها فقدت أي مصداقية، وبدت ظالما مستبدة، من هنا جاء الكاريكاتير أسبوعاً بعد الكاريكاتير السابق، ليعزز هذا الرؤية حيث يظهر فيه أشخاص يفتشون عن عدل بريطانيا في الجهات الأربعة دون أن يجدوها وفي ذلك سخرية لاذعة  ولكن الملفت أن الظاهرين في الصورة لا يمثلون الفلسطيني فقط أو العربي الذي يظهر وهو يعتمر طربوشه بل أيضاً اليهودي والأوروبي الذي هو أيضاً لا يرى عدالة بريطانيا.


لم تنجو بريطانيا من النقد كما لم ينجو لا الأحياء ولا الأموات، ففي اشارة ملفته أعادت الصحيفة نقد سياسة الملك فيصل الأول بسبب سياستة حيث يظهر في الصورة – رغم أنه توفي عام 1933 – وهو يحي الانتداب البريطاني

 

بموازاة النقد الدائم لبريطانيا وللزعماء العرب فقد شنت جريدة فلسطين أيضاً هجوماً على الصهيونية، ولكن وكما يظهر لم يفصل الفلسطينيون بين الصهيونية وبريطانيا حيث نظروا لبريطانيا للمسبب الأول، وللصهيونية كوكيل بريطانية، الكاريكاتير الذي ظهر في 15 حزيران 1936 يصور  بريطانيا كداعمة للمشروع الصهيوني وجزء من تشكيل وبناء الوطن اليهودي عبر تسهيل الهجرة وتحويل المهاجرين إلى جيش مدرب.​


وفي كاريكاتير مدهش حاولت فيه الصحيفة تبسيط قضية فلسطين للقراء، أظهرت المسؤول البريطاني كمسيحي متزوج من يهودية وعربية، وبالتالي بما أنه مسيحي فلا يمكنه أن يتزوج من امرأتين وعليه أن يختار، وهو ما معناه أن لا يمكن لبريطانيا أن تكون في علاقة مع اليهود والعرب في نفس الوقت وعليه أن تختار أحد الطرفين تماماً كما لا يمكن للمسيحي أن يكون مع طرفين.

من المدهش كيفية تصوير الفتاة الانجليزية والفلسطينية، بنظرة استشرافية كما يراها الغرب، فالفلسطينية مرأة محافظة تلبس الزي القروي التقليدي، تحمل في يديها عصفوراً رمزاً للسلام الأسير، في حين تظهر المرأة اليهودية المتحررة من أعباء المجتمع بزيها القصير ولباسها المكشوف تدخن سيجارة وتكاد لا تظهر انزعاجاً، أما الانجليزي فيظهر بغليونه كتاجر لا يهمه لا هذه ولا تلك بقدر ما تهمه مصلحته، فهو بسبب الحرب اضطر لذلك.

ومن الملفت أيضاً هو ترجمة النص للإنجليزية فلا شك أن الفلسطينيين أرادوا إيصال رسائل واضحة للمسؤولين الانجليز وللمتابعين الذي لا يجيدون اللغة العربية.

 

تركت هذه الكاريكاتوريات أثرًا بالغًا​ في الوعي الفلسطيني حول فهمه للقضية، كما انتشرت في العالم العربي حيث قامت العديد من الحركات في الدول العربية بتجميعها ووضعها في كتاب خاص كان يباع ويذهب رعيه لدعم الفلسطينيين، كما تم لاحقاً اعادة نشر بعضها في مجلة المستقبل عام 1946 لتكون بذلك مدخلاً أساساً لما سيصير لاحقاً الكاريكاتير السياسي والذي تبدأ جذوره من هنا ولا تزال هذه الكاريكاتورات بطبيعة الحال بحاجة إلى من يدرسها بشكل أوسع وأكثر عمقًا