توافر السنوات 1908-1923

​​تعتبر مجلة النفائس من أهم وأجود المجلات الأدبية التي صدرت بالعربية في العهدين العثماني والانتدابي. أسّسها الأديب والصحافي خليل إبراهيم خليف المشهور بكنيته "بيدس" (الناصرة، 1874- بيروت 1949)، خريج المعهد الاكليريكي الأرثوذكسي الروسي في الناصرة (1892-1886). اشتغل في سلك التدريس، ولاحقًا عيّن كمدير عام للمدارس الروسية في فلسطين وسورية (في سنة 1908)، واستمر إلى جانب ذلك في التدريس في المدرسة الأرثوذكسية في حيفا.

يعتبر بيدس رائد الرواية والقصة العربية في البلاد. كما ويعتبر رائد الترجمة لا سيما من الروسية (ومن العربية إلى الروسية)، إذ ترجم في وقت مبكّر أعمالاً إبداعية مثل روائع تولستوي، إضافة إلى إصداره العديد من الأعمال الأدبية وكتب حول مواضيع تاريخية ولغوية مختلفة وألف كتب تدريس من مجالات عديدة، كما ونشر يومياته في السجن (حديث السجون) حيث وصف تجاربه في السجون والاعتقالات في ظل السلطات الانتدابية في القدس.1 على ما يبدو، فقد ناصر بيدس التمرّد ضد السلطات العثمانية الأمر الذي أفضى إلى الحكم عليه بالإعدام. وقد خلّصته البطركية الأرثوذكسية في القدس من تنفيذ هذا الحكم وأثمر توسّطها عن الافراج عنه عند دخول القوات العسكرية البريطانية إلى البلاد.

طمح بيدس في العهد العثماني إلى تحقيق نهضة عربية جامعة بواسطة التربية والتعليم. إلى جانب العودة إلى الأدب العربي القديم، ناصر بيدس بتلهّف شديد الانكشاف على الآداب الأوروبية بما فيما الآداب الروسية، وخاصة تلك الآداب التي تتضمّن أوجه إنسانية واجتماعية رفيعة. من شأن طموحه هذا تفسير ولعه بكتابة الأدب وترجمة إبداعات أوروبية وروسية وكتب التاريخ والاختراعات التكنولوجية ووضع كتب تدريس وفي ذات الوقت الاستمرار في عمله كمدرّس بالرغم من انشغالاته الكثيرة.  

وقد اختير بيدس في سنة 1909 لينضم إلى المجلس الملّي الأرثوذكسي في القدس. لذا فقد كان لزامًا عليه الانتقال للإقامة في القدس ونقل مكتب المجلة معه. رفض بيدس العمل في وزارة المعارف الانتدابية، كما ورفض عرضًا تقدمت به سلطات الانتداب لإدارة دائرة المعارف العربية وفضّل الاستمرار في عمله كمدرّس في مدرسة المطران في القدس التي أسست سنة 1899.

  نشر "حديث السجون" في المجلد 7 العدد 18 (من يوم 15 أيلول 1920)، ص 253-258، 267-274، 283-288.


شارك بيدس في المظاهرات ضد سلطات الانتداب والصهيونية. على سبيل المثال، في أعقاب موجة من المظاهرات التي اندلعت في يافا وحيفا في 27 شباط 1920، اعتقل بيدس وآخرون كثر (من بينهم الحاج أمين الحسيني وعارف العارف وموسى كاظم باشا الحسيني) وحكم عليه بالسجن،2  الأمر الذي أدّى إلى تجدّد المظاهرات ضد هذه الأحكام، ومع تولي هربرت صموئيل منصبه (في مطلع تموز 1920) أطلق سراح المعتقلين جميعهم.3  انتقل في أيار 1948 إلى الأردن ومن هناك إلى لبنان حيث توفي في سنة 1949. 4

صدر العدد الأول من المجلة بعد تحوّلها إلى مجلة أسبوعية في مطلع تشرين الثاني 1908. وبدءًا من العدد الثاني (8 تشرين الثاني 1908) وحتى العدد 9 (27 كانون الأول 1908) طبعت المجلة في "المطبعة الوطنية" في حيفا. وبدءًا من العدد 10 (1 كانون الثاني 1909) صدرت مرتين في الشهر مع مضاعفة الصفحات واستبدل اسمها لتصبح النفائس العصرية، وذلك في أعقاب صدور مجلة تحمل نفس الاسم النفائس على يد صحافي لبناني (أنيس عيد الخوري) في بيروت على ما يبدو - وحتى العدد 29 (تشرين الأول 1909) طبعت الأعداد في مطبعة "دار الأيتام السورية" الواقعة بمحاذاة مدرسة شنلر في القدس. تحوّلت المجلة في السنة الثانية (1909/1910) إلى مجلة شهرية، وطبعت في المطبعة "الأدبية" في بيروت. وبدءًا من السنة الثالثة وحتى السنة السادسة عدد تشرين الأول 1914 استمرت بالصدور كمجلة شهرية وطبعت في القدس. وكحال بقية الدوريات، فقد توقّفت المجلة عن الصدور عند اندلاع الحرب العالمية الأول، وصدر العدد الأخير في تشرين الأول 1914. استأنف بيدس إصدار المجلة بعد دخول القوات البريطانية، وصدر العدد الأول في 26 تموز 1919 (السنة السابعة، العدد الأول) كمجلة أسبوعية حتى العدد 6 (30 آب 1919). وبدءًا من السنة السابعة (15 أيلول 1919) صدرت مرتين في الشهر. 

منذ لحظة صدور العدد الأول للمجلة حققت نجاحا باهرا إذ نجح بيدس في تأسيس مجلة أدبية راقية وعزّز الخطاب الأدبي في البلاد العربية وخاصة في سورية ولبنان والأردن ومصر. كما ووصلت أعداد المجلة إلى البلاد الأوروبية والولايات المتحدة. واستقطبت المجلة أقلام العديد من المثقفين والأدباء والشعراء والمربين المشهورين، وعلى رأسهم إسعاف النشاشيبي (القدس، 1882- القاهرة 1948)، وخليل السكاكيني (القدس، 1878 - القدس 1953)، وعلي الريماوي (بيت ريما في منطقة رام الله 1860 - القدس 1919)، وإسكندر الخوري البتجالي (بيت جالا، 1888-1973).

توقّفت المجلة عن الصدور بصورة نهائية في سنة 1924 (ووفق مصادر أخرى في سنة 1923).5    
   

 


1 نشر "حديث السجون" في المجلد 7 العدد 18 (من يوم 15 أيلول 1920)، ص 253-258، 267-274، 283-288.

2 يطلعنا مصطفى الدباغ على أنه باستثناء الحاج أمين وعارف العارف اللذان حكم عليهما بالسجن لعشر سنوات فقد حكم على الآخرين فترة تمتد من 3 سنوات وحتى 5 سنوات سجن (يُنظر الدباغ، بلادنا فلسطين، المجلد 10، ص 249). أما العقاد فيخبرنا أن بيدس اعتقل وحكم عليه في حينه بالإعدام (أحمد خليل العقاد، الصحافة العربية في فلسطين 1876-1948، ط1، دمشق: مطبعة الوفاء، جميع الحقوق محفوظة للمؤلف، 1966 - ط2، دار العروبة للطباعة والنشر، 1967-، ص 184). ويبدو أن العقاد خلط بين هذا الاعتقال وبين اعتقاله في العهد العثماني كما ذكر أعلاه.

3 العقاد، المصدر السابق، ص 184.

4 المصدر السابق، ص 182-183.

5 تدعي خيرية قاسمية، استنادًا إلى ما جاء في شهادة العقاد (العقاد، المصدر السابق، ص 85) بأن المجلة صدرت من جديد في عهد الانتداب على مدار تسع سنوات، أي حتى سنة 1926. يُنظر:

Khairia Kasmieh, "The Leading Intellectuals of Late Ottoman Jerusalem and their Biographies," S. Auld and R. Hillenbrand (eds.), Ottoman Jerusalem - The Living City: 1517-1917, vol. 1, London: Altajir World of Islam Trust, 2000, pp. 37-44, 41.