ماذا في المكتبة > أخبار > وداعاً شموئيل موريه

وداعاً شموئيل موريه


 من: د. سمير حاج

 

 

غيّب الموت الباحث وأستاذ الأدب العربيّ الحديث في الجامعة العبرية بروفيسور شموئيل موريه عن 84 عاما الذي  بقي يحاضر رغم خروجه للتقاعد حتى وفاته.


كتب موريه الحاصل على جائزة إسرائيل (أعلى وأرفع جائزة رسمية في إسرائيل) للعام 1999، الشعر والقصّة باللغة العربية والتي رأى فيها الأمّ، بينما رأى في اللغة العبرية   - رغم يهوديته - الزوجة، مردداً على الدوام أنّ الزوجة لا يمكن أن تحلّ محلّ الأم.
كان موريه بمثابة ينبوع من العطاء والانتاج أثرى البحث العلمي لسنين، خاصّة في حقل الشعر العربيّ الحديث، كأحد  كبار الباحثين في الأدب العربيّ الحديث والمسرح العربيّ.  في أطروحته للدكتوراة «أثر التيارات الفكرية والشعرية الغربية في الشعر العربيّ الحديث 1800-1970»1  الذي صدر عام 1976 سبق موريه الكثير من الباحثين في استنتاجه  أنّ شعراء المهجر العرب وخاصة في أمريكا الشمالية، قد استحدثوا العديد من الأساليب والأشكال شعرية متأثرين بالترجمات العربية للتسابيح والمزامير والترنيمات المسيحية الإنجيلية، التي طبعت منشوراتها في الجامعة الأمريكية، اضافة لترجمة التوراة والإنجيل والشعر الأوروبي.2

يقول الأستاذ سعد مصلوح والذي ترجم بحثين لموريه وصدرا في كتاب «حركات التجديد في موسيقى الشعر العربيّ الحديث» أنّه لم يعرف بداية هوية المؤلف، ولكن حين استفسر وعرف أنّه باحث يهوديّ وأنّه محاضر في الجامعة العبرية ودرس في جامعة لندن أصرّ على إصدار الكتاب، معلّلا ذلك  « ازددت إيمانا بضرورة تجنّب هذا الموقف السلبي الذي يكتفي بالهروب، كما ازددت حرصا على أن يظهر هذا الكتاب، ليتاح للمشتغلين بالدراسات الأدبية في العالم العربي أن يطلعوا على نموذج من الدراسات التي يقوم بها الباحثون اليهود في مجال الثقافة العربية. وإذا كان هؤلاء يحاولون التعرّف علينا، واستكشاف ملامح شخصيتنا بالمثابرة على دراسة ثقافتنا وأدبنا، فلا أقل من أن نتعرّف على طريقتهم في التعرّف، وأن نستكشف طريقتهم في الاستكشاف وهذا أضعف الإيمان. وإنّي لأتطلّع مخلصا إلى اليوم الذي يتولى فيه المتخصّصون منا إخراج دراسات عميقة وشاملة عن ثقافة أعدائنا وفكرهم وأدبهم، فهذا هو الطريق العلميّ الذي لا بديل له للنصر عليهم».

 

أما في دراسته «المسرح الحي والأدب الدراميّ في العالم العربيّ الوسيط»3 فقد فنّد موريه رأي المستشرقين والباحثين العرب القائل بأنّ العرب لم يعرفوا المسرح البشريّ في العصور الوسطى بل عرفوا خيال الظلّ، وأثبت أنّ العرب امتلكوا مسرحاً حياً في القرون الوسطى، معللاً استنتاجه بأنّ المستشرقين لم يفهموا أصلاً النصوص العربية في المسرح العربي، فخلطوا بين المصطلحين: "خرجوا في الخيال"  والتي فسرها بما معناه «قاموا بتمثيلية قصيرة مرتدين ملابس تلك الفترة» وبين "وضع خيال الظلّ".

وفق موريه  فإن مصطلح «خيال» كان منذ العصر الإسلاميّ الأوّل يعني تمثيل أو ركوب «الكرج» أي الحصان الخشبيّ، الذي كان الممثّلون يقلّدون فيه كرّ الفرسان وفرّهم. وحين جاء المسرح الظلّي من الصين وأندونيسيا والهند، أضاف العرب كلمة "الظل" إلى كلمة "خيال" والتي تعني تمثيل، أي ظلّ الدمى التي تنعكس على الستارة، وهكذا نحتوا هذا المصطلح «التمثيل الظلّي»، ولم يفهم الباحثون العرب هذه المصطلحات و"ردّدوا كالببغاوات" بلا تفكر، كلام المستشرقين. كتب الدكتور عطية العقاد حول استنتاجات موريه قائلاً «الحقيقة أنّ موريه ببحثه هذا قد عرّى عورتنا النقدية وأظهر قصورنا واستسهالنا التعامل مع مصطلحاتنا النقدية القديمة، فمحدثونا الذين تعرضوا لهذه المصطلحات لم يحاولوا إدراك غير المعنى العام الذي توحي به، ولذلك ذهبت معظم تلك المجهودات أدراج الرياح لأنّها أوقفت نشاطها على المعاجم اللغوية التقليدية فقط» (جريدة مسرحنا 14 مارس 2011).

 

ومن الأعمال الجليلة التي قام بها موريه هو تحقيقه لوقائع المؤرخ المصريّ عبد الرحمن الجبرتي للأشهر الستة الأولى من الاحتلال الفرنسي لمصر عام 1798. معتمداً على المخطوطة الأمّ لكتاب الجبرتي «عجائب الآثار في التراجم والأخبار» والتي تصل حوالي 2600 صفحة وخطّت بيد الجبرتي  نفسه (محفوظة في مكتبة جامعة كمبردج) حيث قارنها مع طبعة بولاق المعروفة من عام 1879، ليجد أنّ طبعة بولاق تختلف عن نسخة الجبرتي الأمّ بحيث أنّ النسّاخ قاموا فيها بـ «تصحيح قواعد اللغة» وتغيير بعض نصوصها من النقيض إلى النقيض، كما وجد أنها نسخت بعد وفاة الجبرتي. فقام موريه في تحقيقه، بإضافة فهرس عام للأعلام والرتب الإدارية والعسكرية والمباني والعلوم والمصطلحات الحربية والإدارية والدينية والاجتماعية والأدبية والجغرافية، كما وضع قاموسا خاصا بالمصطلحات، لأنّ كثيرا من الكلمات لم تعد مفهومة.

كتب موريه في  مقدّمة ديوانه «تلك أيام الصبا» (1998) والذي صدر بالعربية، عن مغادرته العراق قسرا، وهو في الثامنة عشرة، عام 1951 ومجيئه إلى إسرائيل وعن معاناته، أسوة باليهود الشرقيين، حين وصول البلاد، منتقلاً من «عزّ بغداد» إلى العيش في الخيام والمعبرة والوقوف في طوابير الماء والخبز، والعمل الشاق في نقل أكياس الإسمنت والحصى للبناء، حيث كتب:
«عندما حطّت الطائرة في مطار اللد بعد أن أنهكت أعصابنا برجاتها وهبوطها وصعودها جوّا في الدوامات والجيوب الهوائية فوق الأردن، استقبلنا موظفو الهجرة وبأيديهم رشاشات الدي دي تي، يرشونها على رؤوسنا وداخل سراويلنا وينظرون إلينا بوجوه جامدة غير مبالية بتحياتنا باللغة العبرية وبلهجة عراقية، ولا بتقبيل بعضنا الأرض المقدسة، في مطار اللد، سرورا بعودتنا إلى أرض الميعاد. ثمّ نقلونا بشاحنات الحمل إلى معسكر الحجر الصحيّ في «شاعر هعليا» (ص14). كما يشيد بدفاع الجيران المسلمين في العراق عن اليهود إبان أحداث الفرهود «وكان الفرهود قد أظهر معدن النبل لدى كثير من الأصدقاء المسلمين الذين دافعوا عن جيرانهم اليهود، ويرى البعض أنه لو لم يحم هؤلاء المسلمون الكرام اليهود البغداديين مخاطرين بحياتهم من أجل حماية جيرانهم، لكان عدد القتلى أضعافا مضاعفة. وكان من بين هؤلاء المسلمين الأفاضل أبو علوان بائع الحليب الذي كان يربّي البقر في البستان الواقع أمام دارنا في البتاويين، وهو الذي حذر والدي في يوم الفرهود من مغادرة دارنا إلى مكان عمله، في مركز بغداد التجاريّ قرب شارع السموأل وبذلك أنقذه من القتل. ثمّ جاء إلينا أبو علوان، الذي كان يعمل بستانيا عندنا ويتعهد حديقة دارنا، في ظهر يوم المذبحة وكرر تحذيره من مغادرة الدار وقال: «لا تخافون ترى آني محاميكم». ثم أبرز سكينة كبيرة كان يخفيها في عبّه ليؤكّد لنا حرصه على سلامتنا ودفاعه عنا. ولحسن الحظ لم يهجم الرعاع على محلة البتاويين التي كان معظم سكانها من اليهود الأغنياء» (ص 21).

غادر موريه بغداد، بعد عطاء دام أكثر من ستين عاماً رفد خلالها المكتبة وحقول البحث العلمي بعشرات الأبحاث والدراسات والكتب المميزة، رحل بعيداً عن العراق، بعيداً عن بغداد التي أحبها وبعيداً عن الذكريات والتي لم يبق منها سوى صفحات مذكراته والتي نشرها في صحيفة إيلاف وصدرت عن مكتبة كل شيء عام 2012... يهود العراق – بغداد حبيبي... ذكريات وشجون. جاءت بأسلوب غنائي عاطفيّ وبأسى شفيف، عبر فيه عن شوقه وحنينه الذابح إلى بغداد ونسيم دجلة ووشوشات النخيل.



حنين لا يخفت تماماً كذات الحنين فينا لرحيلك، وداعاً شموئيل موريه.

 

 نُشر في صحيفة القدس العربي بتاريخ 30.09.2017 (بتصرف)



 


 1 صدرت بالإنجليزية تحت عنوان: Modern Arabic Poetry 1800-1970 The Development of its Forms and themes under the Influence of Western Literature .Leiden: E.J.Brill ترجمها للعربية الدكتوران محمّد شفيع السيّد وسعد عبد العزيز مصلوح وأصدراه في القاهرة عام 1986،
2 صدر الكتاب بنسخة منقّحة عام 2004 عن دار كل-شيء في حيفا، وراجعت ترجمتها وأشرفت عليها د. لبنى صفدي -عباسيّ. كما صدر بطبعة ثالثة منقّحة العام 2014 عن دار الجمل .
3​ صدر بالانجليزية تحت عنوان Live Theatre and Dramatic Literature in the Medievel Arabic World, Edinburgh and New York, 1992 ترجمة للعربية عمرو زكريا عبدالله، وصدر عن دار الجمل عام 2014