ماذا في المكتبة > تمرين > افتتاح الإذاعة الفلسطينية ومعارضتها في الصحف الفلسطينية

افتتاح الإذاعة الفلسطينية ومعارضتها في الصحف الفلسطينية

​​

​ما أن شاع خبرُ افتتاح محطّة إذاعة فلسطينيّة عام 1936، لتربطهم بما يجري بالعالم أجمع، وتبثّ همومهم وتعرب عن أفراحهم، حتّى ظهرت مُعارضة كبيرة بين أوساط المثقّفين الفلسطينيّين، فشهدت صفحات الجرائد الفلسطينيّة مُجادلات كبيرة حول الموقف من هذه الإذاعة، لكونها ستبثّ بثلاث لغات: العربيّة، الإنجليزيّة والعبريّة، علمًا أنّ اللغة العبريّة لم تكن بانتشار ملحوظ في فلسطين.

وقد وصل الأمر فيما بعد إلى استقالة عدد من الموظّفين البارزين في دار الإذاعة الفلسطينيّة احتجاجًا على ما كان يبدأ به المُذيع في القسم العبريّ في كلّ نشرة، مُرحّبًا بالمُستمعين في دار الإذاعة في "أرض إسرائيل من أورشليم".

 

خبر نُشر في "مرآة الشرق" – 24.12.1936



دور موظفي القسم العربي في تغطيتهم لأحداث ثورة فلسطين 1936 (الثورة الكبرى) 

بالرغم من كلِّ المعارضة والاستنكار والشجب، فقد تأسّست دار الإذاعة في فلسطين في الثلاثين من آذار عام 1936 وأعلن عنها بحفلٍ خاص حضره المندوب السامي البريطاني نفسه. وقد انقسمت أوقات بثّها إلى ثلاثة أقسام: قسم خاصّ للعرب، وقسم آخر باللغة الإنجليزية، وقسم ثالث باللغة العبرية بإدارة يهودية.


 

بالرغم من توجّس الفلسطينيّين من لعب الحركة الصهيونية دورًا في ترويج أيديولوجيتها، إلّا أنّ طاقم العمل في القسم العربي كانوا بالمرصاد، فاستغلّوا ساعات البث باللغة العربية لتغطية أخبار ثورة 1936، الأمر الذي أغضب اليهود وسلطات الانتداب البريطاني، فاعتقلوا أبرز المذيعين المُساندين للثورة الصحفي وهو أكرم الحسيني بعد أن أوقفوه عن العمل، وسُجِنَ في عكّا بدعوى التحريض والتعاون مع الثوّار.


 .مبنى دار الإذاعة الفلسطينية - صورة أُلتقطت عام 1942

 

الصحف الفلسطينية تعارض افتتاح الإذاعة الفلسطينية

لم تكن "مرآة الشرق" هي الوحيدة التي هاجمت مشروع الإذاعة، رافضة إدخال العبرية ضمن ساعات البث في دار الإذاعة الفلسطينية، فقبل ذلك، وفي اليوم الذي تلى افتتاح الإذاعة، نشرت جريدة "الدفاع" في كلمة عددها الصادر يوم 31 آذار 1936 تحت عنوان: "لأول مرّة في التاريخ، العربية مع العبرية تذاع– واأسفاه...!"، وجاء في المقالة: "هذه القدس تتكلم... وترجمت الجملة الإنكليزية إلى العربية، ثم العبرية. وسمعت الملايين في أوروبا وأمريكا، لأوّل مرّة في التاريخ، اللغة العبرية ترسل على موجات الأثير من القدس، إذًا هناك يهود وهناك صهاينة".

 

كلمة جريدة الدفاع ضد افتتاح الإذاعة الفلسطينية

وتابعت إدارة تحرير "الدفاع" في كلمتها: "... اسمعوا أيّها العرب، اللغة التي تزاحم لغتكم، لغة الذين يزاحمونكم، لغة الحملة الصهيونيّة... سوف تألفين أيتها الأسماع في مكة والقاهرة وبغداد ودمشق لغة غريبة أجنبية أقامتها السياسة في بلاد عربية صرفة، فأصبحت البلاد وأهلها في خطر، نعم ستألفين ولا ندري على من تقع التبعية والمسؤولية، أعلينا أم على كل عربي ومسلم في الدنيا. يا جهاز الراديو صرت ثقيل الظل، كريهًا".

 

 كلمة العدد - في " الدفاع" – 31.03.1936

 

 

إبراهيم طوقان والإذاعة الفلسطينية

بالرغم من المعارضة الشديدة لما يدور في أروقة محطّة الإذاعة الفلسطينية، إلّا أنّه عمل في إدارتها مجموعة من الأشخاص اللامعين، أبرزهم الأديب إبراهيم طوقان، والذي عمل كمراقب عام في القسم العربي في الإذاعة، ليُصبح بعدها مساعد مدير الإذاعة.

 حرص طوقان أن لا تقل دار الإذاعة في القدس بشيء عن دار الإذاعة في مصر، فحافظ على مستوى عالٍ في البرامج التي أدارها، فحرصَ على سبيل المثال – لا الحصر – على استعمال الفصحى، وعمل كل ما بوسعه من أجل بثّ مضامين تبعث على استنهاض وعي الشعب وتوقظ فيه النقمة على الفساد، وتذكّره بمآثر العروبة وعبقرية الأبطال الفاتحين.

 إلّا أنّه سرعان ما فُصِلَ إبراهيم طوقان من إدارة القسم العربي في عام 1940 ليُعيَّن عجاج نويهض، والذي اشترط الاستقلالية التامة في إدارة الإذاعة وتعيين الموظّفين، وعدم تدخّل الأطراف الحكومية في إدارة العمل، سوى ما يتعلّق بالأمور الفنية، وألّا يدخل يهودي مهما كان مركزه إلى مكاتب القسم العربي إلّا الموسيقار العراقي المشهور عازوري.

 

هنا القدس وبرامج الإذاعة الفلسطينية

حرص القسم العربي للإذاعة الفلسطينية على نشر برنامجه الأسبوعي في مجلّته نصف الشهرية ("هُنا القدس") والتي صدر العدد الأوّل منها في 19 كانون الثاني 1940. إضافة إلى ذلك، فقد نشرت المجلّة في كل عدد تقارير موسّعة حول أهم القضايا العربية المحلية.

 

هنا القدس – Huna al-Quds، الأحد، 21 تموز 1940

لم تكتفِ "هُنا القدس" بنشر برنامج الإذاعة الأسبوعي في مجلّتها، إنّما حرصت أن تصل إلى الجماهير العربية أكثر فأكثر، فنشرت البرنامج الأسبوعي في دوريات مختلفة كمجلّتي المنتدى والقافلة، ودوريات أخرى.

 

 

المنتدى - Al-Muntada، الجمعة، 3 كانون الثاني 1947
أفسحت دار الإذاعة المجال أمام المبدعين ومنحت الفرصة للعديد منهم، كفرق التمثيل التي كانت تقدم مسرحياتها عبر الإذاعة ومطربين شباب صاعدين وشعراء وكتاب ومثقفين، لتقديم مواهبهم.

 

أدلى الأستاذ عزمي النشاشيبي، مراقب البرامج العربية في دار الإذاعة الفلسطينية، بحديث لمندوب جريدة "الشعب" بالقدس جاء فيه: "إن الإذاعة هي جامعة علمية كبرى للمُستمعين، ولهذا يسرّنا جدًا أن يتعاون معنا في حمل هذه المهمّة عنصر الشباب المثقّف في فلسطين، الذي يمتاز بكفاءاته المختلفة على الشباب المثّقف في أي قطر عربي آخر، لأنه يُتابع بعد تخرّجه من الجامعات دراساته الشخصية ومُطالعاته الخاصة، فمن حق القسم العربي في دار الإذاعة الاستفادة من هذه الكفاءات".


 

ورد هذا الحديث ضمن خبر نشرته صحيفة "الشعب" في عددها الصادر يوم 24 كانون الأول 1946، إذ اهتمّت الصحافة الفلسطينية كثيرًا بتغطية أخبار دار الإذاعة الفلسطينية واطلاع القرّاء على كُل ما فيها من جديد.


 

 صحيفة الشعب، 24 كانون الأول 1946

 

 

في ذكرى تأسيس دار الإذاعة الفلسطينية

بمناسبة الذكرى العاشرة على تأسيس دار الإذاعة الفلسطينية، نشرت مجلة المنتدى بتاريخ 29 آذار 1946 عددًا تذكاريًا خصصته لتسليط الضوء على إنجازات دار الإذاعة ونشر التهاني لها وإدارتها.
 

 مجلة المنتدى، 29 آذار 1946

 

لمشاهدة العدد الكامل من مجلة المنتدى حول دار الإذاعة الفلسطينية اضغط/ي على الرابط التالي

 

استمر عمل دار الإذاعة الفلسطينية في القدس على مدار 12 سنة، لتنتقل بعد ذلك عام 1948 إلى رام الله، لتبثّ من هناك قضايا وطنية واجتماعية وثقافية، وشكّلت جزءًا مهمًّا من الإنتاج الفكري الراقي لرهط كريم من علماء العرب وأدباءهم وأديباتهم، لا في فلسطين وحدها، بل في الأقطار العربية المجاورة، فعلت في بثّ الإذاعة أصوات كبيرة لتُصبح علامة ثقافية وفنية هامة في المنطقة.