في تشرين الأول من عام 1937 أقدمت السلطات البريطانية على خطوة نوعية لإخماد الثورة الفلسطينية المشتعلة في البلاد، كانت الخطوة ابعاد الزعماء الفلسطينيين المؤثرين ونفيهم إلى سيشل، حيث اعتقدت السلطات البريطانية أن ابعادهم قد يخمد الثورة، وقد يجعل القيادة تعيد النظر في قرارتها ومواقفها. 


شمل الابعاد كُلاً من حسين الخالدي رئيس بلدية القدس ورئيس حزب الاصلاح، يعقوب الغصين رئيس لجنة مؤتمر الشباب التنفيذية، فؤاد سابا سكرتير اللجنة العربية العليا، جمال الحسيني رئيس الحزب العربي الفلسطيني، رشيد الحاج ابراهيم مدير البنك العربي في حيفا واحمد زعماء حيفا المؤثرين، أحمد حلمي باشا مدير عام البنك العربي. 

يكفي التمعن في الأسماء المذكورة لفهم التوجه البريطاني، فهي اختارت القيادة الفاعلة على الأرض والقادرة اقتصادياً وسياسياً، حيث حاولت السلطات من جهة قطع الامكانيات المادية عن الثورة من خلال ابعاد احمد حلمي باشا، ومن جهة أخرى ابعاد المؤثرين في الشارع كيعقوب الغصين.



جريدة فلسطين، 10 تشرين أول 1937


ترك الابعاد أثراً قوياً في نفوس الفلسطينيين حيث كانوا يتتبعون أخبار الزعماء بشوق شديد، لهذا سعت الصحف الفلسطينية لتغطية كل ما يجري مع المبعدين، فوثقت دوماً وصول رسائلهم ونشرت مضمونها وتواصلت مع عائلاتهم للاطلاع على كل جديد، كما تتبعت أخبارهم من خلال ما تورده الصحف الغربية ونشرت تفاصيل حياتهم اليومية. بالتالي فالكثير من المعلومات التي نعرفها اليوم عن حياتهم هناك، مستقاة من الرسائل والمواد التي نشرتها الصحف الفلسطينية في تلك الفترة والتي  توفر لنا امكانية الوقوف على تفاصيلها.​


يقول الأستاذ فؤاد سابا في برقية أرسلها لزوجته ونشرتها جريدة الدفاع "وصلنا سيشل، صحتنا جيدة، خبروا عائلات حلمي باشا، والدكتور الخالدي ورشيد الحاج ابراهيم ويعقوب الغصين. سلام للجميع، فؤاد" هذه كانت برقية الوصول إلى جزيرة سيشل في الحادي عشر من تشرين الأول 1937.


جريدة الدفاع، 11 تشرين أول 1937 

في سيشل - وكما تذكر صحيفة الديلي اكسبرس البريطانية -  كان المبعدون يتلقون اعانات مالية لكنهم كانوا ممنوعين من الزيارات، حيث كان يقف أمام مقرهم أربعة من رجال البوليس ويرافقهم حارس خاص اذا خرجوا للتنزه، كي يضمنوا ألا يتحدثوا للناس.



جريدة الدفاع، 1 شباط 1938

ومما تخبرنا به الصحف أن المبعدين كانوا يسكنون في دارين، واحدة يسكنها احمد حلمي باشا، رشيد الحاج ابراهيم والثانية يسكنها حسين الخالدي، فؤاد سابا ويعقوب الغصين. وتتحدث الصحيفة أنهم لم يأكلوا لحم الضأن مذ وصلوا حيث لا يوجد في الجزيرة من يعرف الذبح وبالتالي فأكثر طعامهم سمك.




كانت الصحيفة في ذاك الوقت مصدراً أساسياً للمعرفة، كانت أهميتها توازي أهمية الانترنت في ايامنا هذه، ولكنهم أيضاً كانوا محرومين منها، حيث كانت تصلهم أعداد قليلة كل فترة، كما لم يكن هناك كتب عربية فحاولوا الحصول على بعضها واهداء مكتبة الجزيرة بعضها.


الدفاع، 27 كانون الثاني 1938


إن غياب الطعام الذي قد اعتاد عليه الزعماء المبعدين وغياب الصحف والكتب الاذاعات العربية، كل ذلك خلق حالة من السأم والملل في نفوس المبعدين، وهو ما ذكره فؤاد سابا في رسالته التي أرسلها لرئيس الجامعة العربية في الثامن من أيلول من عام 1938 ثم نشرتها جريدة الدفاع في 23 من الشهر نفسه.


الدفاع، 27 كانون الثاني 1938

كانت رسائل فؤاد سابا تتويجاً – أيضاً - لنشاطات شعبية فلسطينية قام بها رجال الدين ورؤساء الأموال ووجهاء القرى أرسلوا خلالها رسائل احتجاج لرئيس الوزراء البريطاني مطالبين إياه بنقل المبعدين لمكان يتوفر فيه مناخ مريح.



الدفاع، 21 شباط 1938 

 أثمر كل هذا النشاط في نهاية الأمر لأخلاء سبيل  الزعماء والذين سيعودون بدورهم لإكمال مسيرتهم السياسية، ليمضي كل في اتجاه، وسيكون لكل واحد منهم قصة مختلفة، لكن فيها أثراً مهماً من تلك الفترة، الفترة التي كانوا يرسلون فيها السلام من سيشل.


الدفاع، 8 كانون أول 1938​