​​

البناية والوعي الوطني

نمرود بن زئيف

 

حين نفكر في فلسطين الانتدابية، دومًا ما يتم الربط بين مفاهيم مثل "تطوير" و"اعمار البلاد" وبين الاستيطان الصهيوني أو السلطات البريطانية.

ولكن الأبحاث الحديثة تظهر أن هذه القضايا قد شغلت بذات المستوى المستثمرين والطبقة الرأسمالية العربية الفلسطينية في الفترة ذاتها. إن مراجعة النقاشات الكثيرة حول "حركة الاعمار" في فترة الانتداب تمكّننا من دحض الادعاء الذي يقول أن الحركة الصهيونية والانجليز اشتغلوا في القضايا "الحداثية" أكثر من نظرائهم الفلسطينيين.

الكثير من الأخبار التي تعقّبت الحراك في فرع البناء ظهرت في الصحف العربية التي تعود لفترة الانتداب، جريدة الدفاع – على سبيل المثال – خصّصن العديد من المقالات القصيرة في مطلع تشرين الأول – أكتوبر 1935، حول قضية تباطؤ البناء في حيفا، مشيرة لارتفاع أسعار المواد وأجور العمال كعوامل مسببة لذلك. وفي تشرين الثاني – نوفمبر من ذات العام، نشرت الجريدة معطيات إحصائية للسنوات 1934-1933 تقارن بين مدن فلسطين الانتدابية في جوانب مثل: وتيرة البناء، المصروفات في فرع البناء، عدد تصاريح البناء التي منحتها السلطات.

جريدة فلسطين من جهتها تعقبت هي الأخرى هذه القضية، فمن فترة الحرب العالمية الثانية وحتى عام 1948 خصصت الجريدة أخبارًا حول خطط البناء الحكومية وعلى حركة البناء بشكل عام، مع التركيز على ما يجري في الأحياء اليهودية في البلاد. في ذات الفترة كلا الجريدتين خصصوا مقالات حول النقص بمواد البناء والغلاء المتزايد، والذي أضر بتطوير الكثير من مشاريع البناء الفلسطينية والتي كانت ستلبي متطلبات الاسكان للمجتمع العربي في البلاد.


 

الدفاع، 5 تشرين الثاني 1935

لتصفّح كل الأعداد من "الدفاع" في موقع جرايد - اضغطوا هنا​

 

 

فلسطين، 6 كانون الأول 1946

 ​اضغطوا هنا لتصفّح كافة الأعداد من جريدة "فلسطين" في جرايد ​


عدا عن الاعلانات التجارية، كإعلانات الغرف التجارية لم يكن على ما يبدو من تطرق وبشكل معمق ومفصل لموضوع البناء أكثر من جريدة "مرآة الشرق"، الطريقة التي غطت بها فقاعة العقارات التي انفجرت في القدس عام 1933 توفر لنا امكانية لفهم الرؤية الاقتصادية والبرجوازية لمحرري الجريدة ولشدة الملاحظة التي أبدوها اتجاه التغيرات والتطورات الاقتصادية العالمية.

تفاقم الجفاف في صيف 1932 أدى لقيام سلطات الانتداب باتباع سياسية تقنين شديد للماء في القدس، وفق افادات "مرآة الشرق" كان لهذه السياسة آثار عديدة خاصة على قطاع البناء في المدينة. في 27 تموز من ذات العام، نشرت الجريدة بأن منع استخدام المياه لأعمال البناء والذي كان ضروريًّا لصناعة الطين والباطون، أدى لتوقف تام لهذا الفرع في المدينة. وكنتيجة لذلك، فان عمال البناء في المدينة، اضافة للكثير من العاملين في  الصناعات المرتبطة بهذا الفرع كالنجارين، الحجارين، عمال المقالع، عانوا ليس فقط من تقنين المياه والتي عانى منها كل السكان، وإنما من البطالة حين وجدوا أنفسهم بلا عمل أو دخل. مع ذلك اختتم الخبر بأسلوب متفائل، وبأمل المحررين بأن تعود حركة البناء لسابق عهدها حين تنتهي الأزمة.


 

مرآة الشرق، 27 تموز 1932

​​​لقراءة أكثر من 830 عددا من "مرآة الشرق" اضغطوا هنا​

 

استكملت أعمال البناء بعد أشهر فعلاً. ولكن وبحسب ادعاء محرري "مرآة الشرق" فلشدتها أنتجت اشكالية مختلفة تماماً في جوهرها "فقاعة عقارية" مقدسية، في الأعداد من 29 نيسان وحتى 3 أيار 1933، نشرت الجريدة  على صفحاتها الأولى سلسلة من مقالين حول حركة البناء في المدينة. وأستبدل الأمل حول تجدد أعمال البناء باتهامات شديدة اللهجة، مفادها بأن ثروة المقدسيين تهدر على "الحجارة والقصارة" والتي لا تنتج شيئًا. المشكلة بنظر محرري الجريدة ليس في غياب البناء وانما العكس، أصحاب رؤوس الأموال المقدسيين يبنون بنهم. ولما كان المقدسيّ قبل عشر سنوات يفتش بالسراج والفتيلة كي يجد شقة يسكنها، فاليوم يجد مئات الشقق ولا مستأجر.

بعد استشارة "اقتصاديين كبار" استنتج كاتب المقال أن نهم البناء المقدسي يعارض "المبادئ الاقتصادية الحقيقية" ولهذا فمصيره الفشل، وفق هذه المبادئ كتب: يبدو أنه قد كان منطق ما هذا الجنون قبل عشر سنوات، حين كان هناك الكثير من المسؤولين البريطانيين يصلون البلاد وكانت هجرة يهودية متزايدة، فأدى ذلك كله لطلب متزايد على الايجار وعلى تكلفته.  يبدو أيضًا – وفق المقالات – أن لرؤوس الأموال كان منطقيًّا أن يبنوا بهذا الشكل حين لاحظوا هبوط الباوند الانجليزي وخافوا أن يكون مصيره كمصير المارك الألماني الذي انهار عام 1931.  ولكن ألم يميز أصحاب رؤوس الأموال أن أعداد المسؤولين الانجليز محدودة وأنه مذ أحداث العنف عام 1929، ارتد اليهود عن استئجار الشقق من أصحاب البيوت العرب وحتى عن الاستئجار في الأحياء العربية كلها؟ وأن الباوند الانجليزي لا يشبه المارك الألماني لأن امبراطورية بأكملها ومساحات حيوية من الاقتصاد العالمي مرتبط  بها؟

 

 ​​​

مرآة الشرق، 29 نيسان 1933

لقراءة المزيد عن "مرآة الشرق" اضغطوا هنا​

 

المشكلة وفق "مرآة الشرق" كانت أن اصحاب رؤوس الأموال المقدسيين، اتخذوا لأنفسهم أنماط وسلوكيات غير منطقية وغير مهنية اقتصادياً، ورغم أن هذا التحليل مثير في جوهره، فمن المثير أيضاً نقاش كيف قامت الجريدة بصرف النظر عنه والذي يعكس اختلافاً في فهم علاقات القوى الاقتصادية في المدينة، وبيد من تكمن القدرة الاقتصادية في البلاد. سبق ذلك باقل من عام أن وصفت الجريدة مستقبل الاقتصاد في القدس بأنه رهينة بيد سياسية تقنين المياه البريطانية وهو تحت رحمة الطبيعة،  بينما الآن هو رهينة الطبقة البرجوازية العربية في البلاد. كان بمقدورهم أن يتبنوا "المبادئ الاقتصادية الحقيقية" ويوجهوا اقتصاد القدس بعيداً عن الكارثة.

 

 

مرآة الشرق، 3 أيار 193​3

​​اضغطوا هنا لتصفح العدد الكامل الصادر في 3 أيار 1933​

 

المقالات هذه في جريدة "مرآة الشرق" تعكس جوانباً هامة من تاريخ المجتمع الفلسطيني وفترة الانتداب والتي اعتاد البحث العلمي وحتى فترة قريبة تجاهلها. فالأبحاث عادة ما تهتم وتشدد على أهمية الفكر والأيديولوجيات العامة لأصحاب رؤوس الأموال والمثقفين العرب في فترة فلسطين الانتدابية، وعلى محاولاتهم بناء اقتصاد فلسطيني يرتكز على المبادئ الاقتصادية "الحقيقية" أو "العلمية" من النوع الذي وثقته مؤخراً المؤرخة شيرين صيقلي في كتابها Men of Capital اضافة لمقالات أخرى اهتمت بقضايا البناء، والتي تظهر أن "اعمار الأرض" والذي اعتبر مصطلحاً أيديولوجياً يخص الخطاب الصهيوني فقط كان خطاباً فلسطينياً أيضاً أثار اهتمام شرائح اجتماعية مهمة في المجتمع الفلسطيني وقيادته.

 وختاماً تعكس هذه المقالات كيف أنه – وخلافاً للتوجه الذي يصور الفلسطينيين في فترة الانتداب كمتلقين أو كأشخاص يعملون فقط من منطلق رد الفعل على الصهيونية والانتداب، فان الطريقة التي تعاملت بها الصحافة الفلسطينية مع الواقع متغيرة بلورتها رؤية العاملين فيها لأنفسهم كوكلاء تاريخيين واقتصاديين ذوي تأثر وقوة.