ماذا في المكتبة > تمرين > صندوق الامة العربية

صندوق الامة العربية

شكلت ثورة البراق عاماً 1929 مرحلة جديدة كانت بمثابة نقطة اللاعودة في الصراع الفلسطيني-الصهيوني، حيث بدأت تظهر بعدها ملامح وتنبيه فلسطيني بخطر المشروع الصهيوني والذي انعكس في الصحف الفلسطينية من خلال مقالات واعلانات يوميه حاولت تنبيه الناس. كان من بين المخاطر التي عددتها الصحف، قضية تسرب الأراضي وبيوعها للحركة الصهيونية، والتي حاول الفلسطينيين منعها من خلال المقالات، التوعية وغيرها، ولما تعاظم وازدادت نسبة الأراضي المتسربة قامت اللجنة التنفيذية العربية بتأسيس "شركة انقاذ الأراضي في فلسطين" والتي ستحاول قدر المستطاع منع تسرب الأراضي الفلسطينية لملاك صهيونيين.

 

حيثيات التأسيس:

كانت اللجنة التنفيذية العربية هي الجسم الذي انبثق عن الجمعيات الإسلامية المسيحية التي تأسست بعد الحرب العالمية الأولى مباشرة (1918) وعقدت سلسلة مؤتمرات والتي كان يفرز خلالها اللجنة التنفيذية والتي رأسها موسى كاظم الحسيني والتي تشرف على تنفيذ مقررات المؤتمر، وبالتالي سيكون رئيسها هو واجهة نضال، ولذلك موسى كاظم الحسيني مع السنين نظراً لكبر سنه ومواقفه الوطنية لرمز وطني حظي بلقلب "أب الحركة الوطنية الفلسطينية".

 

يقول موسى كاظم الحسيني في رسالته التي أرسلها للملوك والأمراء العرب في 5 شباط 1933: "ولذلك كان من الحكمة والمصلحة لحفظ كيان المسلمين أن تؤلف شركة لإنقاذ أراضي فلسطين لشرائها ممن يضطر إلى بيعها ثم تقسيمها وتأجيرها واستثمارها لمنفعة الشركة، وفي ذلك حفظها من الضياع وإصلاحها واستبقائها في يد العرب"

 

يشرح الحسيني في رسالته تلك حيثيات التأسيس عام 1931 ثم يشير لمباركة المؤتمر الإسلامي لها وعن انطلاق المشروع براس مال قدره 10 آلاف جنيه يتضح من رسالة أن موسى الحسيني كان في ذات الوقت هو أيضاً رئيس اللجنة العليا لصندوق الأمة.

 

يوفر لنا مقال فؤاد صالح سابا  المنشور جريدة مرآة الشرق، تحت عنوان "ايضاح عن مشروع صندوق الأمة" معلومات اضافية عن صندوق الأمة، حيثيات تأسيسه، تنظيمه الهيكلي، وآليات تنفيذه، حيث سيتم بناء الصندوق وضمان دخله من خلال رسوم اشتراك شهرية من الناس العاديين، جباية منظمة، كما سيكون هناك رقابة وتدقيق الحسابات لضمان الشفافية في العمل، وغيرها.


مرآة الشرق، 21 آذار 1931


 

آليات جمع الأموال:

 

كان صندوق الامة العربية يحاول جمع المال من خلال عدة طرق بعضها عبر الحاضنة الاجتماعية، حيث نظمت الحملات لذلك وكانت مجموعات الناشطين في الصندوق تجوب البلاد وتطوف على المحلات والمتاجر والمصانع والبيوت، تجمع المال والتبرعات من كافة فئات الشعب.


مرآة الشرق، 4 كانون الثاني 1933


كما كانت تنظم مهرجات خاصة لجمع التبرعات يدعى إليها النخب وكانت تقوم في دور سينما وقاعات، حيث كانت تقام تحت رعاية شخصيات وطنية من رؤوس الأموال، ويدعى إليها وفود ووجهات نخبوية من القرى والمدن الفلسطينية، يتخللها عروض لفرق الكشافة، أناشيد وطنية ثم تختتم بكلمة مؤثرة لصندوق الأمة تجمع بعدها التبرعات.


فلسطين، 3 كانون الثاني 1945

أحد الأساليب الأخرى التي ابتدعها الصندوق هي محاولة القائمين عليه استثمار الأموال التي تصلهم في مشروعات اقتصادية وتجاري قد تضمن أرباح ومدخولات اضافية، فكان من بين هذه المشروعات على سبيل المثال مشروع "سجائر صندوق الامة" حيث سعى المشروع لأنشاء مصنع سجائر تكون أرباحه لصالح الصندوق.


فلسطين، 3 كانون الثاني 1945


 

صندوق الأمة في شكل جديد:

انحلت اللجنة التنفيذية العربية عام 1934، بوفاة رمزها موسى كاظم الحسيني، حيث لم تفلح كل المحاولات في توحيد الجهود واستمرار اللجنة لتفتح معهداً حقبة جديدة من حقب العمل السياسي للفلسطينيين في البلاد تركزت أكثر على الأحزاب. ومع الواقع الطارئ التئم مجدداً القائمون على صندوق الأمة بهدف إعادة هيكلته وتنظيمه فتبدل أفراده وأخذ الصندوق شكلاً جديداً.

 

الدفاع، 3 أيلول 1935

 

ترأس الادارة الجديدة في شكلها الجديد أحمد حلمي باشا والذي سيكثف النشاط ضمن الادارة الجديدة، وخلال السنين  ستتكثف النشاطات من خلال جمع التبرعات الشخصية، الاشتراكات، الاستثمارات اضافة للكثير من المهرجانات التي كانت عادة ما تكون كاحتفالات شعبية يتخللها عروض شعبية، زجل، دبكة، فنون، كلمات خطابية حماسية، ويجرى خلالها جمع التبرعات وسيكون ضمن ادارة الصندوق نخبة من رجال الأعمال والملاك الفلسطينيين مثل عمر البيطار، جمال الحسيني، يعقوب الغصين وغيرهم.

 

حقق صندوق الأمة الكثير من الأهداف التي وضعها، حيث تظهر التقارير السنوية التي كان ينشرها وتنقلها الصحف أن الصندوق كان فاعلاً جداً، فوفق تقرير الصندوق لعام 1944 فقد تم شراء 10.291 دونماً من الأراضي كانت في حكم الضائعة ، كما يظهر من خلال التقرير أن رصيد الصندوق كانت 92.256 جنيهاً و467 ملاً.


فلسطين، 12 أيلول 1945

 

كانت هذه نشاطات كثيفة، لكن الصندوق واجه الكثير من الاشكاليات الداخلية والتناحر السياسيّ والتي انعكست على حجم الاقبال عليه، كما أنه واجه اشكاليات تنظيمية جوهرية، ففي نشرة رابطة المثقفين العرب في حيفا تحت عنوان مشكلة الأراضي ومشروع شركة صندوق الأمة، نقرأ في صفحة 23: "ما زالت صلاحيات مجلس ادارة شركة صندوق الامة، وجمعيتها العمومية، والوسائل التي ستتخذها الشركة سبيلاً لتنفيذ برامجها وأهدافها، مبهمة ومشوشّة لدى عامة الشعب، بل لدى الكثيرين ممن تطوعوا أو ساهموا في العمل لإنجاح مشروعها..."

 

من جهة أخرى كانت قدرة وفاعلية وميزانية الصناديق اليهودية أضخم بكثير من أن يؤثر عليها مساهمات صندوق الأمة ومحاولاته المتواضعة لبناء أرضية اقتصادية، يبدو أن الحل لم يكن يكمن فقط من خلال صندوق مال يحمي الأمة بقدر ما كانت الحاجة لتنظيم البنية السياسية والادارية كلها والتي كان الصندوق جزءاً منها ولم يكن باستطاعته أن يغير سياقاً كاملاً هو مؤسسة صغيرة في ظله.

 

ما الذي حل بالأراضي التي كان يملكها؟ بالأموال، بحسابه البنكي؟ لا نملك الكثير من المعلومات وربما يكون هذا مدخلاً لبحث آخر أكثر تعمقاً.